حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

151

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

تصميما لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم . الرابعة : الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان ، وقد تقدم . وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده ، والزارع كافر لأنه يستر الحب ، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء ، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه . قال في التفسير الكبير : « كفروا » إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدما على ذلك الإخبار . فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام اللّه محدث ، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقا بالغير . قلت : التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه تعالى أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين ، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي ، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [ الفتح : 27 ] سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [ آل عمران : 151 ] وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب . ومن هذا يعلم أن قوله سَنُلْقِي ليس كونه مستقبلا بالنظر إلى الأزل مقصودا بالنسبة إلى المخاطبين ، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم . الخامسة : « سواء » اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [ آل عمران : 64 ] فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [ فصلت : 10 ] يعني مستوية ، وارتفاعه على أنه خبر « إن » و « أأنذرتهم أم لم تنذرهم » في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو : إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه . ويحتمل أن يكون « أأنذرتهم أم لم تنذرهم » في موضع الابتداء ، و « سواء » خبر مقدم ، والجملة خبر « إن » . وإنما صح وقوع الفعل مخبرا عنه مع أنه أبدا خبر نظرا إلى المعنى كقولهم : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن ، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل ، فإن « أن » مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي ، وقد جردت الهمزة . و « أم » لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا . قال سيبويه : هذا مثل قولهم « اللهم اغفر لنا أيتها العصابة » يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام ، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء . ومعنى الاستواء في الداخل عليهما « الهمزة » و « أم » استواؤهما في علم المستفهم ، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين . والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان :